السيد علي الطباطبائي

4

رياض المسائل

وأول من شمر عن ساعد الجد في هذا الحقل هو شيخ الطائفة ورئيسها على الاطلاق محمد بن الحسن الطوسي - قدس سره الشريف - المتوفى سنة 460 ه‍ ، فأسس قواعد هذا البنيان الرفيع ، ورصف أصوله ورتبها وأحسن تنظيمها على ترتيب منهجي بديع . وجاء الفقهاء من بعده فجروا على منواله الحكيم مستخرجين الفروع من الأصول على نفس النظام ، وتبويب المسائل وفق ما حرره الشيخ في مختلف كتبه . نعم جاء المتأخرون ليزيدوا تحقيقا وتدقيقا في أساليب الاستنباط ومناهج الاجتهاد ورد الفروع إلى الأصول ، ولا سيما بعد أن تحرر " علم الأصول " من أسلوبه التقليدي القديم ، إلى أسلوبه التحقيقي الحديث . وإذا بالفقه قد تفتحت له أبواب جديدة كانت مغلقة قبلئذ ، وبدت من ثنايا آيات الكتاب المجيد وكلمات العترة الطاهرة دقائق ورقائق - هي حقائق - لم تكن معروفة لحد ذاك . كل ذلك بجهود بذلها فقهاء أفذاذ وعلماء جهابذة كرسوا جهودهم - ولا يزالون - في التحقيق والتدقيق في خبايا آثار آل الرسول صلى الله عليه وآله . وقد حصل هذا التحول الأساسي - في نوعية الاستنباط - منذ عهد نجم الدين ( المحقق الحلي ) ( المتوفى سنة 676 ه‍ ) قدس سره فحقق من مباني الفقه وأحكم قواعده الراسية في كتابه المعتبر وغيره ، ومن ثم لقب بالمحقق جديرا بهذا النعت المعبر عن واقعية لامعة . ثم على يد جمال الدين العلامة الحلي ( المتوفى سنة 726 ه‍ ) وولده فخر المحققين ( المتوفى سنة 771 ه‍ ) فقد كرس الوالد جهده في البحث والتنقيب والجمع والمقارنة والتحقيق وسار الولد على منهاج والده في امتداد التدقيق والتخريج . وبعدهما جاء الشهيد السعيد محمد بن مكي العاملي ( المتوفى سنة 786 ه‍ ) حيث ركز أسس الفقه ومباني الاستدلال على قواعد رصينة ومدارك متينة . ثم جاء دور نور الدين الكركي ( المحقق الثاني ) ( المتوفى سنة 940 ه‍ ) فأبدع وأتى بآراء ونظريات مستجدة لم يسبق لها نظير .